القائمة الرئيسية

الصفحات

نداء للحفاظ علي إنسانيتك .. كلام مهم للجميع

 في مسلسل أمريكي مشهور، يتحدث في حلقاته عن مآلات التكنولوجيا وما ستفعله فينا على المدى البعيد،

في إحدى حلقاته، يبدأ المشهد بفتاة فتحت عينيها فوجدت نفسها في مكان غريب فجأة، وهي فاقدة للذاكرة ولا تفهم أي شيء، ثم ترى أحد المُلثّمين يحاول أن يضربها بالنار -حسبما أذكر- فتخرج من البيت مرعوبة فزعة تهرب منه ولا تعرف إلى أين تذهب..
فضلت تجري في الشارع في هستيرية تامة تتلفت حولها، تتعثر وتقوم، تبكي وتصرخ وتستنجد بأي أحد يساعدها... فتنظر حولها:
فترى على جانبي الشارع يقف الناس يشاهدون المشهد في إعجاب وإثارة، ممسكين بهواتفهم فقط يُصوّرون هذا المشهد المثير الشيق..
.
وهي تنظر إليهم ولا تستوعب ما يحدث!... كله واقف بيصوّر بس!.. تصرخ فيهم ولا أحد يستجيب، ثم بعد فترة من الركض تجد أحدهم يحاول مساعدتها ويفهّمها أن هناك رمزًا ما يُبث عبر الهواتف، من يتعرّض له يتحول إلى هذا الشخص السلبي.
.
وبدون الدخول في تفاصيل الحلقة والغرض من المشهد والحبكة الدرامية التي فهمتها في النهاية،
ولكن المشهد فضل معلّق معايا جدًا! وبقيت شايف تجلياته وأشباهه في كل شيء حواليّ دلوقتي تقريبًا!
شهوة وهيسيريتا الكاميرات جعلت كل شيء أصبح سلعة قابلة للمتاجرة بها في سوق التفاعل!
أروح فرح، لازم نعمل الفيرست لوك، تكلّف وتصنّع ولكن لازم ناخد اللقطة، ثم لقطة الأكل، ثم لقطة الشرب، ثم لقطة تقطيع التوترة، ثم لقطات من الذكريات، ثم لقطة تلبيس الدبل، ثم كلمة الزوج أو كلمة الزوجة، لقطة للمأذون الروش، لقطة وأنا ومراتي بنرقص سوا قدام الناس.. ولقطة لكذا وكذا وكذا إلى ما لا نهاية..
طيب يا سيدي فرح والناس بتحب تفرح وتهيص وتوثق الذكريات... بلاش عُقد، طيب والموت تفتكر الموضوع هينتهي؟!
.
لا بردو، يلا نطلع الموبايلات ونطلع لايف ونصور تلك اللحظات الخاشعة المؤثرة المبكية... هل عشان التفاعل واللايكات وكده؟ تؤتؤ، عشان الناس تتعظ والمبتلين يتثبّتوا بأمثال هؤلاء الصالحين الثابتين وكلماتهم الصادقة في عز ابتلائهم!! فلقطة لإخبار الناس بالوفاة، ولقطة للصلاة على الفقيد، ولقطة للدفن، ولقطة الكلمة بعد الدفن، ولقطة للعزاء... إلخ!
طيب يا سيدي، تفتكر الأمر هيتوقف عند هذا الحد؟!
.
لأ، لقطة وإنت خاشع في الصلاة، لقطة وإنت بتبكي في الدعاء وفي حال مع ربك، لقطة وإنت بتحج، لقطة وإنت في لحظة جميلة مع زوجتك وأهل بيتك، لقطة وإنت قاعد ع البحر عادي بتشكيه همومك..
.
لقطااات قبل الأكل، وأثناء الأكل، وبعد الأكل، وفيديوهات عن إزاي نعمل الأكل، وعن طعامة وحلاوة الأكل الجوسي والمقرمش والتشيز (الجبنة آه بقت تشيز)، والصوص والماشروم والفرايز (البطاطس آه بقت فرايز يا فلاح يا متخلف)، والحرّاق أو الشطة بقى سبايسي، والفراخ بقت تشيكن... إلخ.
.
وفيديوهات بسبب وبدون سبب وإنت مع مراتك في حياتكم اليومية، وخصوصياتكم وحياتكم الي بقت تتنشر لعموم الناس واختلاق الحوارات لكسب التفاعل!.. تخيل راجل يبقى قابل نفسيا إن مراته وحياته معاها تبقى "شُو" لعموم الناس، والناس تسأله كل يوم فين الفيديو الجديد؟ ومراتك فينها ومالها وزعلانة ليه؟ وغزل بقت في خفة دمك وحلاوتك وطعامتك إنت ومراتك وأولادك!... هل بقيت ديوث؟ تؤتؤ، مبروك بقيت اسمك "فلوجر" وإنفلونسر قد الدنيا!
.
لقطة للبنت الي بيتحرشوا بيها وبيغلسوا عليها دي... لقطة بقى للبنت الي بيضربوها وبيدبوحها دي... جميل، لقطة بقى لأمها الي بتبكي على قبر بنتها دي.. هتكسر الدنيا،تفكير طويل بقى في الكابشن المناسب للموقف الحرّاق المؤثر ده.
.
لقطة بقى للراجل الفقير المسكين ده.. ولقطة وإحنا بنديله العطاء.. ولقطة وهو بيشركنا وبيبكي.. ولقطة للمريض وهو في عز ألمه وضعفه.. وهكذا.
هذا نداء لنفسي قبل غيري:
يا نااااااااااااس..
أرجوووكم حافظوا على ما تبقى من آدميتنا وإنسانيتنا وفطرتنا!!
حافظوا على ما تبقى التزامنا بشرعنا وآدابنا!
حافظوا على ما تبقى من رجولتنا ومروءتنا وحميّتنا!
حافظوا على ما تبقى من حيائنا وعفّتنا ووقارنا وكرامتنا!
حافظوا على ما تبقى من خصوصيتنا وقدسية مشاعرنا وحياتنا!
حافظوا على ما تبقى من أي معنى حقيقي بنعيشه!
أرجوكم! حافظوا عليه وحاوطوا عليه وتمسّكوا بيه وبلاش تبتبذلوه رخيصا سهلًا في أسواق النخاسة المعاصرة!
أرجوكم! جرّبوا تعيشوا مرّة وتستمتعوا مع أحبابكم بصدق..!
جربوا تعيشوا وتنبسطوا بدون ما تبقوا شايل هم إزاي تبانوا وتظهروا إنكم عايشين ومبسوطين!
جربوا يبقى بينكم وبين الله عبادات خفية لا يطلع الناس عليها! أرجوكم!
جربوا تتصدقوا فلا تعلم يدكم اليسرى ما تُنفق اليُمنى! (الإنفاق في العلن أحيانا مفيد مش مذموم بإطلاق، بس بتكلم عن حالك القلبي مع الله، جرّب تربي نفسك على الإخلاص وتبطل تختلق المعاذير!)
جربوا تعملوا الخير وترموه للبحر وبلاش تبقوا حريصين إن حد يصوركم وإنتو بترموه للبحر عشان يكتب وصف أو كابشن عن قد إيه إنتو مش بس بتعملوا الخير وبس لأ وبترموه للبحر كمان! لأن هذا من الرياء الخفي!
جربوا تحافظوا على خصوصية بيتوتكم، ولحظاتكم الحلوة، بدون ما تقعدوا تفكروا في البوست والصورة والفيديوهات الي هترفعوها!!
جربوا تخلعوا الفلاتر والأقنعة الزائفة وترموا الشاشات والإلكتررونيات جانبا..
وتكونوا صادقيين وحقيقيين مرّة... !
كفايانا غرق في عبودية للناس!! وآراء الناس! وكلام الناس! وتفاعل الناس! ونحن تراب وهم تراب فوق تراب!
أحسب إننا لو جربنا أن نكون لا أن نبدو، ونبتغي بسعينا رضا الله سبحانه وتعالى فقط = ساعتها بإذن الله هنلاقي نعيم عظمي في النفس لا يساوي ملء الأرض من الإعجابات والتفاعلات والمشاركات والعملات الافتراضية الفارغة التي لا تسمن ولا تُغني من جوع.
أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، فإنه والله عزيز! وأعز ما يكون في زماننا هذا
منقول عن استاذ أحمد عبد المنصف

تعليقات