القائمة الرئيسية

الصفحات

عن خسوف القمر .. من أجمل ما قرأت

 تلك الليلة ظهر في وسط السماء مشهدًا بديعًا وهو خسوف القمر.. القمر وهو متشرّب بحُمرة ساحرة!

.
والحقيقة الخسوف كان له معايا موقف مهم جدًا ومحوري في مرحلة من مراحل حياتي، وكان أحد الأسباب الي خلتني قعدت أعيد تفكيري في أشياء كثيرة جدًا جدًا.. ليه؟.. أحكيلك.
اليوم ده ساعتها كنت متابع طبعًا الصفحات والمواقع الي بتهتم بعلم الفيزياء والفلك -ومازلت متابعها- وعارف إن هيحصل النهاردة خسوف للقمر أو كسوف للشمس، مش فاكر بالظبط.. ففضّيت نفسي وقررت أُعد مقال علمي مفصل لشرح تلك الظاهرة فيزيائيًا.. وإن كسوف القمر بيحصل لما كوكب الأرض والقمر والشمس يبقوا على نفس الخط تمامًا، وكوكبنا يكون في النص بين القمر والشمس، يعني إحنا واقفين، والشمس في ضهرنا، والقمر قدامنا، فإحنا حاجبين جزء كبير من أشعة الشمس عن القمر.. وما إلى ذلك.
.
وبدأت أبحث عن أي إيفنتات هتطلع ترصد القمر بالتليسكوبات في اليوم ده، وده أنا بحبه جدًا، (بالمناسبة، الي ماشفش القمر أو السماء عموما من التليسكوب فايته شيء عظيم من متاع الدنيا).
المهم نزّلت المقال، وفي وسط التعليقات، قرأت تعليق لصديق عندي استوقفني الحقيقة -ولعله أراد أن يلفت نظري إلى ما هو أعمق بكثير جدًا من سؤاله -، قالي: طيب صليت يا منصف؟
أنا مافهمتش في الأول إيه مناسبة السؤال، ثم افتكرت إن في حاجة كنت بسمع عنها اسمها (صلاة الخسوف).
وهنا أنا توقفت شويه، وبدأت أسأل: طيب هي إزاي بتُصلّى وإمتى أصلا؟!.. والسؤال الأهم: ليه أنا مافكرتش في الصلاة؟!.. أو بعبارة أبسط: ليه مافكرتش في إيه الي المفروض أعمله شرعًا في موقف زي ده؟.. أو بعبارة أكثر وضوحًا: ليه الدين مجاش في بالي أصلا؟!... ليه كانت (الفيزياء والفلك) في عقلي في واادي.. و(الصلاة أو الذّكر أو العبادة) في وادي آخر؟!.. وده قادني لسؤال أعمق: ليه نظرتي لهذا الملكوت العظيم، ولبديع خلق الله سبحانه كانت نظرة مادّية بحتة؟ بمعنى إن ليه كل الي خطر في ذهني هو التدبر في (الأسباب الفيزيائية الكونية) لحدوث الظاهرة.. ولم أفكّر في التدبر في (الأسباب الغيبية الشرعية) التي تشير إليها تلك الظاهرة؟
مين خلق في ذهني هذا الفصل بين (عالم الشهادة/الحسّي)... و(عالم الغيب)؟
وليه كل زمايلي الي كانوا مهتمين بالعلم -بالساينس بمعنى أدق- وبالفلك والفيزياء وغيره = في المواقف الي زي دي مش بيتكلموا عن المعاني الشرعية التي تذكّرنا بالخالق جل في عُلاه، وبهدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المواقف؟.. مش الهدف الأساسي أصلا من التدبر وفهم هذا الكون وقوانينه وسُننه أن أعرف خالقه أكثر؟ فأزداد له حُبًا ورهبة وخشية وخضوعًا ومهابة وتذللًا وعبودية؟.. فلماذا لم يُورثني هذا "العلم" تلك الحال مع ربيّ؟.. ولماذا على الجانب الآخر الناس الي مهتمة بالدين والشريعة والفقه والكلام ده ألتمس فيهم نوع عداءٍ أو توجّس ممن يتحدثون في العلوم الطبيعية التجريبية الحديثة؟... أين المشكلة؟ وأين مكمن الخلل؟
قد تكون شايف إنها تفصيلة صغيرة لا تستدعي كل هذه التساؤلات الفلسفية المكلكعة، وتقول في نفسك: والله كبرتوا الموضوع يا شباب "D وإن رأيت ذلك فأنا عاذرك لأن الأمر له أبعاد كثيرة يصعب بيانها الآن.. ولكن من وجهة نظري، فالأمر يحتاج وبشدة إلى أن تخوض رحلتك في البحث عن جواب تلك الأسئلة وشبيهاتها.. لأنك ستكتشف إن شاء الله أنَّ الموضوع فعلا كبير، ويحتاج إلى دراسة وبحث وفهم... المهم.
.
- الخسوف ديما بيفكّرني بالموقف العظيم الجليل الذي حدث على عهد سيدنا رسول الله ﷺ، وأنقل لكم الحكاية من صديقي الأستاذ علي عبد الله علي:
سيدنا النبي ﷺ لما رزقه الله بابنه إبراهيم, كان ﷺ من أسعد الناس، وخرج للناس يعلن مولد
(وُلِدَ لي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ)
وكانت الفرحة ظاهرة عليه، وكان تقريبا لا يفارقه ويحمله في أغلب الأوقات ويسير به وهو يُظهر للناس شدة الشبه بينه ﷺ وبين إبراهيم ، ثم ينظر إلى وجهه ويحتضنه
بعد ما أتم إبراهيم العام ونصف العام، أصابه مرض شديد فأتاه النبي ﷺ وعلم أنه يحتضر فضمه إلي صدره وبكي النبي ﷺ حتى فاضت روحه إلي بارئها
فقال سيدنا النبي ﷺ:
"يا إبراهيمُ، لولا أنه قولٌ حقٍّ، ووعدُ صادقٍ، وسبيلُ مأتيّةٌ، وأن آخرَنا يلحقُ بأولنا؛ لحزنّا عليكَ حزنا هو أشدُّ من هذا"
ولما دفنه تساقطت دموعه ﷺ وقال:
"إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ"
بعدها سيدنا النبي ﷺ عاد إلى بيته، وفجأة بعدها حدث كسوف للشمس، فتحدث الناس أن الشمس كسفت حزنًا على موت ابن سيدنا النبي ﷺ، فلما وصل الكلام إليه، وبالرغم من شدة حزنه، لم ينتظر لحظة، وخرج إلي الناس مسرعا صلوات ربي وتسليماته على مُعلم الناس الخير، وجمعهم وخطب فيهم قائلا:
"إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا"
.
- وأقول: يقال كسوف الشمس، وخسوف القمر، فالكسوف مأخوذ من الكسف وهو الاستتار، وهو بالشمس أليق، لأن نورها يشع من ذاتها، وإنما يستتر عنّا عندما يحول بيننا وبينها القمر.
والخسوف مأخوذ من الخسف، أي المحو، وهو بالقمر أليق، لأنه جسم أسود معتم زي المرآة، يضيء بانعكاس ضوء الشمس زي ما إحنا عارفين، فإذا حال كوكبنا بينه وبين الشمس، منعنا وصول نور الشمس إليه فيُظلم.
وصلاة كسوف الشمس وخسوف القمر سُنة مؤكدة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكل أحد من ذكر وأنثى، مسافر أو مقيم، فرادى وجماعة،
نصليها إمتى؟
وقتها من وقت ظهور الكسوف إلى ذهابه، وإن ذهب الكسوف فلا قضاء لتلك الصلاة.
نصليها إزاي؟
لها أكثر من كيفية:
أكمل هيئة:
تُكبّر عادي وتستفتح الصلاة وتتعوذ وتقرأ الفاتحة وسورة طويلة
ثم تركع طويلًا
ثم ترفع من الركوع، ولا تسجد، بل تقرأ الفاتحة مرة تانية وسورة طويلة ولكن أقصر من المرة الأولى
ثم تركع طويلًا، أدنى من الركوع الأول
ثم ترفع من الركوع، ثم تسجد عادي، سجدة طويلة، ثم تجلس، ثم تسجد ثانية سجدة أدنى من الأولى.. ثم تقوم تأتي بركعة ثانية كالأولى في الهيئة ولكن أدنى منها طولا في كل شيء.. ثم يتشهد ويُسلّم عادي تماما.
لو تُهت أو حاسس الأمر هتتلغبط فيه
في هيئة جائزة إنك تصليها ركعتين عاديين تمامًا كسنّة الفجر.. بس كده.
ثم يُسن أن يخطب الإمام بعدهما خطبتين زي خطبة الجمعة بالظبط.. ويحثّهما على التوبة من الذنوب، وفعل الخير.. والصلاة تكون سرية في كسوف الشمس، وجهرية في خسوف القمر.
اقرأوا في علم الفلك، وتدبّروا في بديع صُنع الله تلك لهذا الكون العجيب! تدبروه بعين تقرأ -باسم ربّها- في صفحة الكون آيات الله المجلوّة.. واقرأ في كتب السيرة والفقه كيف كان الهدي النبوي مع تلك الظواهر الطبيعية، وماذا يُسن لنا أن نفعل حينها،
اقرأوا.. فالعلماء يقولون إنّ لله تعالى كتابين.. كتاب الله المسطور (الوحي الشريف قرآنًا وسُنة، وشرائع سابقة قد نُسخت).. وكتاب الله المنظور (الكون) المشاهد أمامنها بقوانينه وسُننه.. ولكن اقرأ قراءة ربّانية (اقرأ باسم ربّك الذي خلق).. لتصل بهذه القراءة وهذا العلم إلى الغاية النهائية... (واسجد واقترب).
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات