القائمة الرئيسية

الصفحات

الغرق في غير قضاياك .. كلمة حول التشتت

 يقول الإمام الغزالي في مقدمة كتابه العظيم [أيها الولد]:

[علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه، و إنّ امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خُلق له من العبادة = لجدير أن تطول عليه حسرته].
من أسوأ ما تفعله فينا وسائل التفاصل الاجتماعي، هي أنها أتاحت لك أداة ممتازة لتنشغل بكل ما لا يعنيك!.. حرفيًا!
مناسبات لا تعنيك..
معارك لا تعنيك..
أسئلة لا تعنيك..
أخبار لا تعنيك..
تفاعلات لا تعنيك..
مآسي لا تعنيك..
إنجازات لا تعنيك..
ترشيحات لا تعنيك..
مشاكل وقضايا لن تُسأل عنها أمام الله جل وعلا.. لم تُكلّف بالنظر فيها.. لم تُكلّف بحمل همّها.. ولكنك ستنشغل بها رغم عنك بسبب الضغط الاجتماعي العام!
وتحدث الكارثة وأنت لا تشعر، إذ يذوب وجدانك في المجموع كحبّة سكّر في كوب شاي!
وليست الكارثة هُنا.. بل الكارثة أنك بعد أن تغرق = تحسب أنك ممن يُحسنون صُنعًا!
ستحسب أنّك على شيء.. ولستَ كذلك!..
الأرقام والتفاعلات الآنيّة ستضخّم ذاتك المسكينة، وتبث هرمون الدوبامين بداخلك ليهمس في أذنك = أنت رائع! استمر! كم أنت مؤثر! كم أنت واعٍ ومطّلع على مجريات واقعك!.. وتمر اللحظات والساعات والأوقات.. وتتوه عن نفسك.. وتذهل عن أسئلتك أنت.. أولوياتك أنت.. مسئولياتك أنت.. حياتك أنت!... وسيصبح الآخرون هم محور اهتمامك الأول ومحل نظرك الأوحد… فتضل الصراط المستقيم.. وتمشي مكبًّا على وجهك.. مغتربًا عن رُوحك.. لا تجد أمانك ولا طمأنينتك إلا وسط الآخرين.. وسط الأرقام والإشعارات والأضواء…. نعم، هي أشبه بحالة السُّكر تماما.. حالة اللهو والتيه والغياب عن الوعي
تلك الحالة التي وصفها الله تعالى في كتابه (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)
لاهية قلوبهم… يا الله على دقّة وإعجاز وبلاغة الوصف!
هو في الظاهر منشغل.. لكن في حقيقة الأمر أن قلبه لاهٍ عما خُلق لأجله!
كالذي سيُسأل في قبره فيقول: [لا أدْرِي، سمِعتُ الناسَ يَقولونَ شيئًا فقُلتُه].
مثله كمثل من دخل امتحان، وأجاب إجابات عظيمة ومتقنة بلُغة منمّقة مبهرة، ولكنه أجاب على أسئلة أخرى غير أسئلة الامتحان!
قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ إِذَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ]
وفي رواية: [ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ].
.
فعن ماذا ستُسأل؟
- ستُسأل عن ربّك (من ربك) = فهل حاولت أن تتعرف عليه وتتدبر في أسمائه وصفاته؟
- ستُسأل عن دينك = فهل سعيت لتعلّم أساسيات دينك بشكل علمي ومنهجي؟
- ستُسأل عن الرجل الذي بُعث فيك = فهل حاولت أن تتعرّف على حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعرف صفاته الخَلقية والخُلقية ونسبه وأهله وأصحابه وسيرته ومنهجه وسُنّته وما استطعت من تفاصيل حياته؟
ولن تزول قدمنا يوم القيامة حتى نُسأل عن أربع كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم
- ستُسأل عن عُمرك فيما أفنيته = فهل تجلس في نهاية كل يوم تسأل نفسك هذا السؤال، وتسعى لإدارة وقتك وحياتك وترتيب أولوياتك وفق مُراد الله جل وعلا لتُعدّ للسؤال جوابًا؟
- ستُسأل عن جسدك فيما أبليته = فهل تعطيه حقّه من نومٍ وأكلٍ ورياضةٍ ونظافةٍ وتداوي وإقلاع عما يُهلكه بما يوافق المنهج النبوي لا هواك وشهوتك؟
- ستُسأل عن علمك ماذا عملت به = فهل تعلّمت ما تُصلح به أمر دينك ودنياك، أم مازلت غارقًا في جمع المعرفة وتسييف البوستات ورص أسطر الاشتراكات في المعاهد والأكاديميات على صفحتك والسؤال عن المناهج والخطط والكتب والبرامج والترشيحات، ثم أنت مفلس من أقل القليل من العمل (بما تعلمه بالفعل يقينًا) وتهرب من ميدان المجاهدة الحقيقي؟ أم تسدد وتقارب وتعمل بما علمت عسى أن يفتح الله علينا وعليك، إذ يقول الحق جل وعلا: [واتّقوا الله ويُعلّمكم الله]،
ويقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: [من عمل بما يعلم وَرَّثَه الله تعالى علم ما لم يعلم].
- ستُسأل عن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته = فهل تكترث لما يدخل جيبك ويخرج منه؟ هل تحاول تحرّي حلاله أم لا يشغلك السؤال أصلا؟ هل تحاول تعلّم ما يعينك على ترشيد مصروفاتك وتعديد مصادر دخلك بما يغنيك عن سؤال الناس ويعينك على التصدّق على ذوي الحاجات؟ هل تحاسب نفسك كل ليلة عما أنفقته أو اكتسبه وتُعد للسؤال جوابًا؟
.
- ستُسأل عن رعيّتك كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعّيته) = فهل بدأت بأهل بيتك ممن ستُسأل عنهم يقينًا ووفيت ما عليك من فروض؟ أم تقضي الساعات خارج منزلك (واقعًا أو افتراضيًا) في نوافل التطوع مع عامّة الناس أونلاين وأوفلاين، وأما عن أهل بيتك فلا يرون إلا جسدًا معهم وذهنًا وروحًا في مكان آخر، هذا إن لم تكن تحبس نفسك داخل غرفتك بين 4 جدران حتى لا يرون الجسد أصلا، وليذهب أهلي إلى الجحيم؟ أما عن أرحامك المقطوعة وجيرانك الذين لا تعرف أسماءهم فحدّث ولا حرج.
أمك؟ أبيك؟ زوجك؟ إخوتك؟ أولاد إخوتك؟ أبناؤك؟ أرحامك؟ جيرانك؟ خاصّة أساتذتك ومشايخك وأصدقاؤك وأحبابك؟
هل مررت على كل هؤلاء قبل أن تنشغل بشئون الـ (بابليك)؟
وقبل كل هؤلاء، هل أعطيت حقّ نفسك عليك من العناية والرعاية والاستماع والتأمل والرفق بها أم تهرب منها في الناس وتتركها في كهف مغلق لا تريد فتحه، وتقدّم حقوق أهل الأرض جميعًا عليها وتقضي الليالي في جلدها فقط؟
.
منهجك واضح وبسيط وسهل يا صديقي.. وامتحانك مُسرّب.. والأسئلة معروفة.. والوقت محدود... والنهاية مجهولة.. وليس هناك أسئلة تفصيلية موحّدة.. ولا إجابة نموذجية.. وكلنا مسئول عما في وسعه وعما أتاه الله..
فمن كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ، وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ، كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
ويبقى السؤال:
[أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ]؟
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات