القائمة الرئيسية

الصفحات

كلام جميل حول الإستغفار والذنوب

 الذنوب بتوسّخ الواحد فعلا.. وَسَخ أقرب للوَسَخ الحقيقي لا المجازي..

أذكر إني في أحد الرمضانات، ربنا أنعم عليّ بالاعتكاف مع بعض أصدقائي في العشر الأواخر.. يعني طول اليوم إنت حافظ سمعك وبصرك ولسانك تقريبًا مما يجلب الذنوب.. مفيش مسلسلات.. مفيش إعلانات في الشارع.. مفيش سب دين وشتايم حواليك.. مفيش تريندات وتحزبات وخناقات وإشكاليات.. مفيش إباحية.. أقصد الإباحية بمفهومها الأوسع، حياتنا بقت محاطة بقدر من الإباحية ولا بُد، هتمشي في الشارع هتشوف إعلانات، هتشوف بنات متبرّجة، هتفتح لعبة هتشوف إعلانات، هتفتح الفيس بوك إعلانات، يوتيوب إعلانات، بجانب الأفلام والمسلسلات، وصولًا للمواقع الإباحية الصرفة.
وكذلك حافظ حواسك -تقريبًا- من الغيبة والنميمة والفُحش الي بقى تقريبًا مُلازم للقعدات واللمة.
ويومك كله بتقضيه بين الصلاة في الصف الأول، والأذكار، وتلاوة القرآن، وقصص السير، ومجالس العلم، والأكل، والشرب، والإنشاد، والحكاوي الحلوة وغيره.. فضلنا كده عشر أيام تقريبًا لم أخرج من المسجد إلا لشراء بعض الأشياء بجانب المسجد.
مش قادر أنسى شعورنا وإحنا خارجين في آخر يوم عشان نصلّي العيد.. حرفيًا محدش كان عايز يخرج!.. وبدأنا نسأل بجدية: هو إحنا لازم نخرج يعني؟ أنا عايز أفضل هنا!..
كنت حاسس ساعتها بإحساس عجيب جدًا يمكن مش هيوصلك وأنا بقوله دلوقتي بس من أعظم المشاعر الي مريت بيها في حياتي... حسيت إني (نضيف)!.. نضيف حقيقي.. بس مش نضيف في الظاهر فقط.. لأ أنا حاسس إني نضيف جوا وبرا... ماشي بلمع كده.. بنوّر!.. لا والله مش مجازًا صدقني، إنت منور من جوا فعلا وده إحساس حقيقي واقعي وملموس لدرجة إن أوّل صديق ليّ شفته لما خرجت من المسجد قالي ما شاء الله إيه النور ده! فأنا استغربت جدًا والله مع احتمال إنه بيجاملني عادي ولكن لعل الأمر الذي أشعر به بداخلي ليس مجرد شعور داخلي أو مجازي وإنما له تجليات ملموسة؟ رُبما.. ورُبما لا.
كنت حاسس إني خفيف.. روحي خفيفة جدًا.. عايز تطير!..
وكنت حاسس إني مليااان جدًا.. شبعان!.. مطمئن.. جوايا سكينة غير عاديّة.
وشعور تاني بقى أجمل وأجمل.. كنت حاسس إني (مُحترم).. عارف شعور إنك محترم؟
إنك حابب نفسك ومحترم نفسك كده وماشي بتهندم هدومك، وماشي ملو هدومك كده وحاسس بقيمة ذاتك ومقدّرها وشايفها عزيزة عليك كده ولا تستحق منك أن تبتذلها في مقام لا يليق بيها؟
حاسس إنك منشكح وعايز الناس كلها منشكحة زيك، ومش فاهم ليه الناس متعصّبة كده وبتتخانق على تفاصيل هبلة!
كلام مبتذل وخطابي وكرتوني شويه صح؟ عارف.. بس صدقني اللغة قاصرة جدًا في وصف الأحوال!.. وصدق من قال إن هذه المقامات مقام أحوال لا أقوال.
ساعتها أنا مش هنسى أبدًا أبدًا أول ردّ فعل ليّ لما عيني جت غصب عني على بنت ماشية في الشارع بهيئة مش ولا بُد... أنا -لأول مرة- تجري قشعريرة في جسمي كله! أنا نفسي مفهمتش فيه إيه! بس اتضايقت جدًا جدًا، وشعرت وكأن لمبة بداخلي انطفأت للتو! وثقلًا في روحي رُبط بها للتو فأنزلها إلى الأرض! وحسيت بقى الإحساس الي بحاول أمهّده لك كل ده... حسيت إني (اتوسّخت)... عيني اتوسّخت!... قلبي اتوسّخ!.. حاول تتخيل شعورك لو كنت ماشي وجت عربية طرطشت عليك مياه مجاري.. عارف نوع القرف والاشمئزاز الي هتحسه ده؟ أنا حسيت زيه بالظبط ساعتها، لدرجة إني كنت عايز أروّح دلوقتي أغتسل!
ساعتها لأول مرة في حيااتي أقرأ حديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم بعين جديدة خااالص، وهو يقول:
{إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
الذنوب فعلًا مُهلكة للروح والبدن على السواء، مُظلمة للنفس، وبتغذي شيطانك وهواك، يعني مش بتكسر شهوتها أو بتقللها ولا حاجة بل بتقويها عليك أكتر وأكتر.. وبتنزع البركة من كل حاجة في حياتك.. البركة في الوقت.. في الصحة.. في العلم.. في صفاء الذهن وسكينة القلب.. في علاقتك بالخلق.. في كل شيء!
.
مع الوقت بتحس فعلًا إن قلبك -من كترة الذنوب- بقى جاف وقاسي، ورُوحك مظلمة.. وحياتك تعيسة وبهتانة.. عارف الي بيقولك حاسس إني (مطفي)؟ صدقني ده أصدق وأدق وأعمق تعبير عن تلك الحالة! إنت فعلا طفيت كل منفذ للنور في قلبك! وقلبك بقى متغلّف بجدار أو حجاب كثيف جدًا (ران) خجب عنك كل نور.
وبقيت تحس فعلا إنك تقيل.. مربوط في الأرض.. حسيت ساعتها بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ).
فاللهم أعدني إلى تلك الحال ولا تحرمني منها، واغفر لنا ما مضى، وجنّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغفر ذنوبنا، وأعنا على ضعف نفوسنا.. وآنس وحشتنا وأعنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادك، وافتح علينا فتوح العارفين بك.
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات