القائمة الرئيسية

الصفحات

حول العلم وأداب الطالب مع المعلم

 في مرّة رأيتُ صديقًا لي وقد قطع جزءًا من كتابٍ كان يقرأه ليسهّل على نفسه القراءة من الكتاب.. وقد هالني هذا الأمر، فرأيته يقول ما المشكلة؟ إنما الكتاب محض أداة للتعلم... فلا ينبغي أن نُعطيه أكثر من حجمه.. وأن تعظيمكم للكتب وحفاظكم على هيئتها وورقها إنما هو من قبيل التكلّف والمنظرة و"الحسوكة" ليس إلا.

ظللت أفكّر طويلًا في تلك الفكرة.. لماذا لا أقبلها نفسيًا؟ ومن أين جاءت إلينا؟
.
ثم أدركتُ أنه منذ أن تحوّل مجلس العلم إلى (Lecture/محاضرة) أو (Class/حصّة) وتحول الشيخ المُعلّم المُربّي إلى (lecturer/مُحاضر) وقد تغيّرت ملامح التعليم كثيرًا..
.
وأنا أقرأ في كُتب آداب طلب العلم، أجد شيئًا عظيمًا قد فُقد في هذا التحول.. الأدب.
وأقتبس لكم فقط بعض ما قال العلماء في آداب الطالب مع شيخه:
ألا تمشي أمامه..
ولا تجلس مكانه..
ولا تجلس أمامه إلا على هيئة المتأدّب المتواضع..
ولا تبتدئ الكلام عنده إلا بإذنه..
ولا تُكثر الكلام عنده..
ولا تسأله عند مِلاله وضجره وتُراعي الوقت..
ولا تدقّ بابه بل تصبر حتى يخرج الشيخ..
ولا تُكثر سؤاله بلا ضرورة..
ولا تفشي له سرًا..
وتمتثل لأمره في غير معصية الله..
وتُوقّر أولاده وكل ما يتعلّق به..
وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها ولو لم يطلب..
وتقبل نُصح الشيخ كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الماهر..
وتدعو أن يستر الله عيب شيخك عنك ولا يحرمك بركته..
وتشاور الشيخ في أمورك..
وإذا حضرت مجلسًا له أن تُسلّم على الموجودين عامّة وتخصّه بسلامٍ وحده.. وكذلك إذا انصرفتَ..
وأن تردّ غيبة شيخك إذا قدرت فإن تعذّر عليك ردّها فارقت ذلك المجلس..
ولا تشبع من طُول صُحبته..
ولا تُعرض ببصرك إذا نظر إليك..
ولا تُلحّ عليه إذا كسل..
ولا تُراجعه في شيء إذا امتنع عنه..
ولا تأخذ بثوبه إذا قام..
ولا تشاور جليسك في مجلسه..
ولا تغتابنّ عنده أحدًا.. ولا تقولنّ فلانٌ قال خلافًا قولك!..
ولا تشيرنّ عنده بيدك أو أصابعك..
وإذا جفاك الشيخ ابتدأت أنت بالاعتذار إليه وأظهرت أن الذنب لك والعتب عليك فذلك أنفع لك في الدنيا والآخرة..
وأن تتأوّل لأقواله وأفعاله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة.
==
وكان مما يقولون في آداب الطالب مع الكتاب:
ألا يجعل الكتاب بوقًا ولا صندوقًا
بوقًا = أي يطويه كالأنبوب لغرض ما.. أو يُعامله كصندوق أي يحفظ بداخله أشياءه أو يضع عليه كوبًا أو يسند عليه شيئًا أو غيره..
وإذا فرغ القلم من الحبر فلا يُلقيه.. بل يحفظه عنده، فإنّ به خطّ مداد العلم.. وقد أقسم الله تعالى بالقلم وما يسطرون.
بعبارة أخرى: ألا يتعامل مع القلم أو الكتاب (كأداة) ما إن حققت غرضها ألقيتها! بل تُعظّمه وتُوقّره توقيرًا للعلم الذي خُط فيه أو به.
وينبغي ألا يأخذ الكتاب إلا على طهارة.. أيضًا تعظيمًا لمقامه.
وأن يكتب فيه بخطّ حسن.. وأن يُجلّده ويحفظ أوراقه من القطع أو الثني وغير ذلك.
.
وغيره الكثيـــر جدًا من الكلام عن الأدب في طلب العلم.. أي علم.. وهذا مما يغرس تعظيم العلم وأهله في القلوب، وبه تُنال بركات وفتوح العلم وبدونه تُنزع البركة من الصدور والعياذ بالله.
.
فالعلم شريف.. والعلم الشريف هو ميراث النبوّة.. وطالب العلم هو تلميذ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطالبٌ بمدرسته الشريفة.. فإن لم يقتبس من مشكاة النبوة ما يُهذّب به نفسه، وإن لم يُزده العلم أدبًا فما تعلّم شيئًا.
.
فإذا فهمتَ هذا، علمت أن هذه الآداب من أعظم ما يُميز منظومة التعليم الإسلامي عن غيره.. فلما غابت عنا هذه الرؤية فقد جُل العلم وانحرفت بوصلة التعليم.. وخرج لنا جيل قليل الأدب والعلم على السواء.. ولعل هذا الجيل -الذي تشبّع برؤية مادية لا علاقة لها بنا- لا يفهم هذا الكلام وأهميته.. بل وقد يستنكره ويعتبرنا نتحدّث في هوامش وشكليات لا قيمة لها.. هذا إن لم يتّهمنا بالحُمق والدروشة.. وأنا نوعًا ما أعذره فتلك كانت نظرتي لهذا الكلام في زمان ما.
أصلح الله الحال.
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات