القائمة الرئيسية

الصفحات

الفرق بين ان تكون متواضعاً وبين ان تكون وضيعاً

 مما رأيته في كثير من النقاشات الواقعية والافتراضية أن الكثير لا يُفرّق بين أن تكون (متواضعًا) وأن تكون (وضيعًا)!.. وعليه فلا يُفرّقون بين مقام اللين والشدّة.

لذلك أحببت أن أنقل لكم نقلًا جميلًا عن الإمام ابن القيم من كتاب الرُوح:
(والفرق بين التواضع والمهانة، أن التواضع: يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله،
ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولّد من بين ذلك كله خُلق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحد فضلًا، ولا يرى له عند أحد حقًا، بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله، وهذا خُلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السُّفَل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضِعة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: وأَوحَى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد).. انتهى النقل.
=
بعبارة أخرى أبسط:
لا يكتمل تواضعك للحق وأهله إلا بترفّعك واستعلائك على الباطل وأهله.. لا يكتمل (أذلة على المؤمنين) إلا بـ (أعزّة على الكافرين).
.
لا يكتمل خفض جناحك وتواضعك ولينك لأهل العلم والخير والصلاح والفضل والكرم والأدب.. إلا بتنزّهك وشدّتك وغلظتك على أضدادهم من أهل الفساد والسفالة والجهل والأذى والكبر والتعالم (الجاهل الذي يدّعي العلم ويخوض فيما لا يعلم)..
وفعلك هذا مع السّفلة رحمة بهم وشفقة عليهم أولًا وآخرًا؛ وقد قال الشاعر: [‏فقسا ليزدجروا، ومن يك راحمًا.. فليقس أحيانًا على من يرحم].
.
وقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة) لا يعني اللين دائمًا كما يُتوهّم، فاللين له مقام يناسبه كما الشدّة بالضبط، والحكمة هي إحكام وضع الشيء في موضعه المناسب.
أما إن وجدت من أحدهم اللين والاستكانة والخضوع وإيثار السلامة في كل حال ومع كل إنسان علا أو سَفل = فاعلم أنه وضيع، وأن الضِعة والمهانة سجيّنة راسخة فيه، وليس هذا بالتواضع الذي يحبه الله تعالى ويرفع به خَلقه.
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات