القائمة الرئيسية

الصفحات

رسالةٌ لأصدقائي من سُكّان المُدن خصوصًا

 رسالةٌ لأصدقائي من سُكّان المُدن خصوصًا:

إنّ لرُوحك عليك حقًا، وهذا الحق يصعب بشدّة أن توفّيه داخل الطراز المعاصر للحياة في المدينة لأسباب كثيرة يطول شرحها، المهمّ أنّ تصميم المدينة مبني على قيمٍ عُليا، منها الإحكام والدقّة والضبط والسّرعة والإنتاجيّة والكفاءة والترشيد وقلّة التكلفة والتنميط الموحّد، وغير ذلك.
هل لاحظت أنها قيم تناسب التعامل مع الآلات أكثر من البشر؟ نعم هي كذلك.
ومقابل التركيز على تلك القيم وجعلها من أولويات الحياة، ستموت فيك -بالتدريج ودون أن تشعر غالبًا- الكثير من القيم الأخرى الخاصّة بالجمال والتراحم والمودّة والشهامة والمروءة والحياء وغير ذلك الكثير مما فيه حياة القلب وغذاء الرُوح.
.
وبالتالي فيندر أن تجد اهتمامًا بالأزهار والأشجار والسماء والنجوم والحيوانات والطيور، أو تجد اهتمامًا بصلة الأرحام والمزاورة والاهتمام بمعرفة أسماء الجيران فضلا عن الاكتراث لأحوالهم، ونادرًا ما تجد اهتمامًا بزخرفة المباني وتميّزها وتباينها، لأن الاختلاف قد لا يُعجب الزبون الذي يريد شراء أو تأجير العقار فيُهدد التجارة والمصالح، وإن كان الاختلاف من مظاهر تجلّي الإنسانية وجمالها في أبهى صوره.. وعلى هذا فقِس.
.
فمن حينٍ لآخر، حاول أن تبحث عن صحبة مهتمة وتزور بيئة ريفية أو حتى حديقة عامّة وتقضي يومك بين النبات والشجر
أو تجتمعوا على قراءة شيء من الأدب والشعر وتتذوقوا جماله وحكاياته ومشاعره وملاحمه
أو تجتمعوا على إنشاد شيء من المديح النبوي
أو تزوروا بيئة ساحلية وتقضي يومك من البحر والمراكب والسمك والطير
أو تزوروا بيئة أثرية مع خبير مُحبّ، يخبرك عن قصص وحِكم وعبر من شيّدوا وسكنوا تلك الأماكن
أو تزوروا بيئة صحراوية وتستمعوا بالسماء والهدوء والبساطة ونقاش الأصدقاء
أو تشتري بعض النباتات أو قطًا أو حيوانًا أليفًا وترعاها في بيتك وتستيقظ كل يوم لتطلّ عليه وتطمئن على أحواله..
أن تركب خيلًا بدل السيارات والعجل..
جرّب أن تُصلّي ركعتين في الخلاء.. أمام بحر وتظلّك السماء فقط!
.
من يومين كنت مع صديق في إحدى الحدائق بنتفرّج على الشّجر والزهور، فصديقي بيقولي عارف، لما جيت هنا أول مرة، استشعرت قوله تعالى (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)
.
هذا ليس من الكماليات والرّفاهيات صدّقني.. هذا ضروري لرُوحك كما الطعام والشراب ضروريّ لجسدك.. والاهتمام بجانب على جانب يُحدث تشوّه وعدم اتزان في نفسية الإنسان.. فيحسب أن علاجه في مزيد من الطعام والشراب وغذاء الجسد ولا يُدرك أن روحه الجافّة تكاد تُظلم وتموت من شدة الجوع والعطش.
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات