القائمة الرئيسية

الصفحات

 كان أهل التزكية المربّون قديمًا يعطون المُريد -أو الطالب- ما يحتاجه من الدواء بقدر ما يستطيع علمه وعمله.. وبما يناسب حجم الداء الذي عنده.

.
فذاك الطالب مُصاب بكبر واستعلاء مثلا، فيُكلّفه بخدمة أصحابه ومسح الحمامات ووضع الطعام للقطط، وذاك مُعجب برأيه وعلمه وعقله ومنتفخ بنفسه، فيُكلّفه بألا يترك كلمة (لا أدري) أبدًا من على لسانه أيا كان السؤال الموجّه له، حتى يُكلّفه الشيخ بغير ذلك.. وذاك داؤه الرياء فيُكلّفه بعبادات السرّ، وهذا داؤه التعالم على الناس، (أي ادعاء العلم وهو جاهل ويجهل أنه جاهل) فيكون دواؤه بعض التقريع والإفحام بالحُجة ليكسر هذا الصنم في نفسه رحمةً به ليُعينه على أن يتأدّب ويتواضع ويقبل أن يستمع ويتعلم ويصبر، وذاك داؤه البُخل، فيكون تكليفه التصدّق بأقل القليل كل يوم، وهذا
رجل أعمال غني منشغل دائمًا، لا يُكلّفه بمال يتصدّق به، إنما يُكلّفه بتخصيص بعض من وقته لبعض الأعمال البسيطة (لأن وقته هذا أغلى وأثقل على نفسه)، وهكذا.
.
وتطول رحلة المُريد مع الشيخ، رحلة الأدب والعلم، رحلة تزكية النفس التي أوّلها (تخلية) للنفس من أمراضها وشوائبها، ثم (تحليّة) النفس بكمالات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويتدرّج معه في مدارج الإيمان ومراتب الإحسان إلى ما شاء الله وفتح عليه.
.
وهذا الشيخ المُربّي هو من بلغ مبلغًا في إتقان علوم الشريعة والحقيقة وفقه النفوس وسياستها.
.
فلمّا غاب الشيخ المُربّي من حياة الكثرين، وسُطّح الخطاب التربوي والدعوي ظهر لنا خطاب في ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب، خطاب موحّد لا يراعي الزمان ولا المكان ولا الأشخاص ولا الأحوال ولا مراتب ومقامات الناس.
فإذا أقبل رمضان ومواسم الطاعات عمومًا رأيت سيلًا من هذا الخطاب الذي يُحمّل الناس فوق ما لا يطيقون، فيتطلع الناس إلى السماء ويدهم مازالت قصيرة، ويشربون من الدواء بلا حساب، فيقفزون بحماسٍ علّهم يظفرون بالنّجوم، فلا يفيق الواحد من وهمه إلا وهو يهوي من على حافة الجبال ليتحطّم على صخرة الواقع الأليم.
وتراكمت ذكريات الفشل وخيبات الأمل وحطام الوهم، حتى ارتبطت مواسم الطاعات في نفوسنا بأسوأ الانطباعات وأظلم المشاعر!
فإن وقعت في هذا الفخ يا صديقي فنصيحتي لك أن تسترشد طريقك بشيخ ثقة يعينك على أن تسير على بصيرة.. فإن لم تجد -بعد بذل الوُسع في البحث- فأكثر من الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها شيخ من لا شيخ له، ولا تسأل الناس عن خططهم للشهر الكريم، وركّز على شيء واحد فقط تريد إصلاحه في نفسك، ولو أن تحافظ على صلاتك في وقتها طوال الشهر وتجتنب ما استطعت من المعاصي.. ولعلّ كتاب (أيها الولد) وكتاب (بداية الهداية) لحُجة الإسلام أبو حامد الغزالي، يضع قدمك على أول الطريق.. ولا تترك الدعاء وذكر الله من لسانك أبدًا.. لعله يفتح علينا وعليك فتوح العارفين به..
وكل سنة وإنت طيب يا صديق ")
منقول عن استاذ احمد عبد المنصف

تعليقات